أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

233

التوحيد

وادعوا علينا اسم الجبر بإنكارنا كون قدرة الفعل قبل وقته ، ثم هم حققوا الفعل في وقت لا قدرة فيه ، وتحقيق الفعل في وقت الوصف بلا قدرة أقرب إلى معنى الجبر من تحقيقها مع الفعل لمن عقل الجبر والاختيار . ومما يوضح ذلك أن الفعل غير متوهم في حال العجز ، ومتوهم وجوده في حال ارتفاع العجز ، فكان توهمه مع الارتفاع أرفع وأبلغ من توهمه مع الوجود ؛ إذ هو سبب المنع ، فكذلك القدرة التي هي سبب الفعل في الحقيقة ، ويؤيد ذلك فساد الدرك بالبصر مع ذهابه بما تقدم من البصر ، وكذا السمع وعمل كل الحواس ، فلذلك كان فساد فعل الاختيار مع العجز ، وفقد القدرة أوضح منه مع الوجود ، ولا قوة إلّا باللّه . ووجه آخر أن قول المعتزلة : إن الإرادة هي اختيار الفعل ، وإنما تكون متقدمة على الفعل ، وليست بموجودة ، وأنه وجد في وقت الوجود بلا إرادة منه ولا اختيار ، وحق اختيار الأول عنه زائل ، إذ يجوز ورود الاضطرار في الوقت الثاني ، ومحال وروده في الوقت الذي فيه الاختيار ، والاختيار قائم ، ثبت أن فعله في التحصيل ليس باختيار . وأنه اضطرار ، وعلامة الجبر هذا . وبهذا الفعل يوجبون العداوة والولاية والخلود في الجنة والنار ، الواقع وقت وقوعه بلا اختيار ولا قدرة ولا أمر أيضا ولا نهي ، فمن تأمل ذلك وجده عند التحقيق قول الجبرية في التصريح ، لكن هو لا جبرية كاذبة ، وأولئك جبرية صادقة . ثم من قولهم : إن من أراد الفعل لأقرب الأوقات إليه يقع ذلك الفعل وإن كرهه وأراد صرفه ويقع له به العداوة والولاية ، وإن صار بحيث لا يمكنه الصرف قبل وقوعه أو معه ، ثم يكون ذلك الوقت ليس بوقت محال لفوت ذلك الفعل ؛ إذ قد يجوز عندهم فوته بالمنع والقهر ، ثبت بما ذكرت وقوعه بالجبر في التحقيق . وأيضا على قولهم في كثرة جرى اسم القدرية في غير موضعه على ألسنتهم يسمون به فهو كذلك عندهم ، مع قولهم بنسبتكم الجبر إلى غيرهم ، وباللّه المعونة والعصمة . ثم سمّت المعتزلة الحسينيّة « 1 » مجبرة بما قالت الحسينية للعبد قدرة ما هو فيه من الفعل ، وليست له قدرة ضده وقت الفعل وقبل ذلك الوقت ، الاختلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في الاسم خاصة ؛ لأن الحسينية تقول هو على ما هو فيه فعند اللّه لطف لم يعطه ، والمعتزلة يقولون : لم يبق عند اللّه شيء فيه صلاحه إلا وقد أعطى ، فقد اتفقا على قدر ما أعطاه ، ولا قوة له وقت الفعل عند المعتزلة ، وعند الحسينية له قدرة ما هو فيه وله اختيار ما هو فيه ، فكان الذي معه من القدرة والاختيار أكثر من الذي عند المعتزلة ، فكيف سمّتهم المعتزلة مجبرة لولا قلة الحيا ، ولا قوة إلّا باللّه .

--> ( 1 ) الحسينية : أصحاب الحسين بن منصور النجار ، ويسميها الإمام الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين بالنجارية وتابعه في ذلك الشيخ عبد القاهر البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق .